سيد محمد طنطاوي

229

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من النساء ، أحله لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ، إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * . والجملة الكريمة معطوفة على مفعول * ( أَحْلَلْنا ) * . وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين ، الثاني منهما قيد للأول ، لأن هبتها نفسها له صلى اللَّه عليه وسلَّم لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها . وقوله * ( يَسْتَنْكِحَها ) * بمعنى ينكحها . يقال : نكح واستنكح ، بمعنى عجل واستعجل : ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح . وقوله : * ( خالِصَةً ) * منصوب على الحال من فاعل * ( وَهَبَتْ ) * أي : حال كونها خالصة لك دون غيرك . أو نعت لمصدر مقدر . أي : هبة خالصة . . والمعنى وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة ، إن ملكتك نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك ، وهذا الإحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولي ومهر . وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خولة بنت حكيم ، وأم شريك بنت جابر ، وليلى بنت الحطيم . . وقد اختلف العلماء في كونه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا . والأرجح أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يتزوج بواحدة منهن ، وإنما زوجهن لغيره . ويشهد لذلك ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم جاءته امرأة فقالت : يا رسول اللَّه ، إني قد وهبت نفسي لك . فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول اللَّه ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ فقال : ما عندي إلا إزاري هذا . فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا . فقال : لا أجد شيئا . فقال : التمس ولو خاتما من حديد ، فقام الرجل فلم يجد شيئا . فقال له النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : هل معك من القرآن شيء ؟ قال نعم . سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن « 1 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري « كتاب النكاح » ج 7 ص 17 .